
بوتين يقود مفاوضات الخليج مع إيران
بقلم: خالد مراد
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، اختار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توقيتًا لافتًا لفتح خط اتصال مباشر مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مقدمًا تعازيه في رحيل المرشد الإيراني علي خامنئي، في خطوة لم تكن مجرد لفتة دبلوماسية بروتوكولية، بل رسالة سياسية ثقيلة الوزن تعكس تحركًا روسيًا واسعًا لإعادة ترتيب موازين النفوذ في الشرق الأوسط.
الاتصال الذي أعلن عنه الكرملين حمل في طياته ما هو أبعد من التعزية. فقد أكد بوتين خلاله تضامن موسكو مع الشعب الإيراني في ما وصفه بـ”الدفاع عن السيادة والاستقلال”، مستخدمًا توصيفًا صريحًا للعمليات العسكرية الجارية باعتبارها “عدوانًا مسلحًا”.
هذا الموقف يمثل إشارة واضحة إلى أن روسيا قررت الاصطفاف سياسيًا إلى جانب طهران في لحظة حرجة من المواجهة الإقليمية، وهو ما يمنح إيران غطاءً دبلوماسيًا مهمًا عبر قوة تمتلك مقعدًا دائمًا في مجلس الأمن.
لكن التحرك الروسي لا يقف عند حدود التصريحات.
فالكشف عن أن بوتين يجري اتصالات مستمرة مع قادة دول الخليج يشير إلى أن موسكو تسعى بوضوح إلى انتزاع موقع الوسيط الإقليمي القادر على التحدث مع جميع الأطراف في وقت واحد؛ من طهران إلى الرياض وأبوظبي. وإذا نجحت هذه المقاربة، فإنها قد تفتح الباب أمام دور روسي غير مسبوق في إدارة توازنات الخليج، وهو دور طالما احتكرته الولايات المتحدة لعقود طويلة.
من هنا يمكن قراءة التحرك الروسي باعتباره محاولة لإعادة رسم خريطة الوساطة الدولية في المنطقة. فبينما تحاول إدارة دونالد ترامب الاحتفاظ بالملف الإيراني ضمن دائرة النفوذ الأمريكي، يبعث الكرملين برسالة مفادها أن موسكو باتت قادرة على طرح مسار دبلوماسي بديل، قد يغري بعض دول الخليج التي باتت تشعر بثقل كلفة المواجهة العسكرية المفتوحة.
بوتين يطرح معادلة مختلفة: وقف التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات، لكن هذه المرة تحت رعاية روسية، وبضمانات قد ترى فيها بعض العواصم الإقليمية مخرجًا من دائرة الاستنزاف العسكري المتصاعد. فروسيا تدرك أن القلق الخليجي من اتساع نطاق الحرب قد يفتح نافذة لقبول وساطة توفر قدرًا من الاستقرار دون الانزلاق إلى صراع طويل.
في المقابل، لا تبدو واشنطن مستعدة للتخلي بسهولة عن موقعها التقليدي كضامن أمني للخليج. ومن المرجح أن تستخدم الإدارة الأمريكية أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري للحفاظ على نفوذها، خاصة إذا رأت أن موسكو تحاول فعليًا إزاحة الولايات المتحدة عن واحدة من أهم ساحات النفوذ الاستراتيجي في العالم.
في النهاية، ما يجري ليس مجرد اتصال هاتفي أو تعزية دبلوماسية، بل فصل جديد من صراع النفوذ بين القوى الكبرى على الشرق الأوسط. فبينما تحاول موسكو تقديم نفسها كـ”صمام أمان” إقليمي، تعمل واشنطن على منع انتقال مركز القرار من المكتب البيضاوي إلى الكرملين.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح روسيا في تحويل هذا التحرك إلى منصة مفاوضات حقيقية تقود إلى تسوية إقليمية جديدة، أم أن الصراع بين موسكو وواشنطن سيحول الشرق الأوسط إلى ساحة تنافس دولي أكثر تعقيدًا؟





